تسريب يهزّ ملف اليمن: ارتباك سعودي، شرعية متآكلة، وجنوب يفرض معادلات جديدة
كشف تسريب دبلوماسي واسع التداول عن حالة ارتباك غير مسبوقة داخل دوائر القرار في الرياض فيما يخص الملف اليمني، حيث جرى تضييق دائرة التعاطي مع هذا الملف الحساس إلى عدد محدود جدًا من المسؤولين. ووفق مصادر مطلعة، فإن هذا الانكماش في صنع القرار يعكس قلقًا داخليًا سعوديًا من تعقّد المشهد، وفشل المقاربات السابقة في تحقيق استقرار حقيقي، ما دفع القيادة إلى إدارة الملف بعقلية أمنية مغلقة بدل رؤية سياسية شاملة.
التقييمات الغربية، بحسب التسريب، لم تكن مجاملة هذه المرة. فقد انتقدت عواصم غربية بشكل صريح طريقة تعامل الرياض مع المجلس الانتقالي الجنوبي، معتبرة أن محاولات الاحتواء القسري أو التهميش السياسي ستقود حتمًا إلى فشل سعودي في اليمن. التحذير كان واضحًا: الجنوب لم يعد ورقة يمكن تجاوزها أو إدارتها من خلف الكواليس، وأي تجاهل لثقله الشعبي والسياسي سيؤدي إلى انفجار سياسي وأمني واسع.
في قلب هذا المشهد، يبرز رشاد العليمي بوصفه الحاكم الفعلي للشرعية، بعد أن نجح – وفق التسريبات – في ابتلاع صلاحيات المجلس الرئاسي بالكامل. التعيينات الأخيرة، التي رُوّج لها كخطوة إصلاحية، كشفت في الواقع عن مسار مغاير، هدفه تثبيت سيطرة العليمي على مفاصل القرار السيادي، وتحويل بقية أعضاء المجلس إلى أدوار هامشية بلا تأثير حقيقي.
الشرعية نفسها تعيش حالة تشقق داخلي حاد، حيث اندلع صراع مبكر على الحقائب السيادية قبل تشكيل الحكومة الجديدة. وزارات الخارجية، الداخلية، الدفاع، والمالية تحولت إلى ساحات حرب نفوذ بين مكونات يفترض أنها شركاء. مصادر من داخل معسكر الشرعية تحدثت عن خلافات حادة وانفجارات غضب غير مسبوقة بسبب توزيع المناصب، ما يكشف انهيار مفهوم “الشراكة” من أساسه.
واشنطن، وفق ما ورد في التقرير، بدأت تطرح أسئلة محرجة: ماذا تريد السعودية من هذا الاندفاع المتزامن في اليمن والسودان والصومال؟ التقييمات الغربية ذهبت أبعد من ذلك، ووصفت القرارات السعودية في اليمن بأنها عاطفية وغير مرشّدة، ولا تشبه سلوك الدول التي تملك استراتيجية واضحة. وخلصت هذه القراءات إلى أن ما يجري ليس إدارة أزمة، بل إدارة فوضى داخل معسكر الشرعية نفسه.
أخطر ما في التسريب أن الغرب لم يعد يقتنع برواية “مكافحة الإرهاب” كغطاء سياسي لكل هذه السياسات. المشهد بات واضحًا للعواصم الغربية: اليمن يتحول إلى ملف استنزاف سعودي لا إلى مشروع استقرار. ومع صعود الجنوب كقوة أمر واقع، وتآكل الشرعية من الداخل، تبدو الرياض أمام مأزق حقيقي؛ فكل خطوة خاطئة تزيد الغضب الشعبي وتضعف النفوذ، فيما النتيجة النهائية تنذر بانفجار سياسي واسع إذا استمر النهج نفسه.

الاعتماد على العقلية الأمنية لإدارة ملف سياسي معقد كالطريق نحو الهاوية.. الواقع يتجاوز الغرف المغلقة.
ردحذفالعليمي يبتلع الصلاحيات ويحوّل مجلس القيادة إلى 'واجهة صامتة'.. شرعية التوافق لفظت أنفاسها الأخيرة
ردحذف